صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4154

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

فآذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النّاس « 1 » بتوبة اللّه علينا ، حين صلّى صلاة الفجر . فذهب النّاس يبشّروننا . فذهب قبل صاحبيّ مبشّرون ، وركض رجل إليّ فرسا ، وسعى ساع من أسلم قبلي ، وأوفى الجبل « 2 » . فكان الصّوت أسرع من الفرس . فلمّا جاءني الّذي سمعت صوته يبشّرني . فنزعت له ثوبيّ فكسوتهما إيّاه ببشارته ، واللّه ما أملك غيرهما يومئذ ، واستعرت ثوبين فلبستهما . فانطلقت أتأمّم « 3 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتلقّاني النّاس فوجا فوجا « 4 » يهنّئوني بالتّوبة ويقولون : لتهنئك توبة اللّه عليك حتّى دخلت المسجد فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالس في المسجد وحوله النّاس . فقام طلحة بن عبيد اللّه يهرول حتّى صافحني وهنّأني . واللّه ما قام رجل من المهاجرين غيره . قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة . قال كعب : فلمّا سلّمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال وهو يبرق وجهه من السّرور ويقول : « أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك » قال : فقلت : أمن عندك يا رسول اللّه أم من عند اللّه ؟ فقال « لا . بل من عند اللّه » وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا سرّ استنار وجهه كأنّ وجهه قطعة قمر . قال : وكنّا نعرف ذلك . قال : فلمّا جلست بين يديه قلت : يا رسول اللّه إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي « 5 » صدقة إلى اللّه وإلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمسك بعض مالك ، فهو خير لك » قال : فقلت : فإنّي أمسك سهمي الّذي بخيبر . قال وقلت : يا رسول اللّه إنّ اللّه إنّما أنجاني بالصّدق وإنّ من توبتي أن لا أحدّث إلّا صدقا ما بقيت . قال : فو اللّه ما علمت أنّ أحدا من المسلمين أبلاه اللّه « 6 » في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى يومي هذا أحسن ممّا أبلاني اللّه به . واللّه ما تعمّدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى يومي هذا ، وإنّي لأرجو أن يحفظني اللّه فيما بقي . قال : فأنزل اللّه - عزّ وجلّ - : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ( التوبة / 117 - 118 ) حتّى بلغ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( التوبة / 119 ) . قال كعب : واللّه ما أنعم اللّه عليّ من نعمة قطّ بعد إذ هداني اللّه للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا أكون كذبته « 7 » فأهلك كما هلك الّذين كذبوا . إنّ اللّه قال للّذين كذبوا حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد ، وقال اللّه : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ

--> ( 1 ) فآذن . . . الناس : أي أعلمهم . ( 2 ) وأوفى الجبل : صعده وارتقى عليه . ( 3 ) أتامم : أي أقصد . ( 4 ) فوجا فوجا : الفوج الجماعة . ( 5 ) أن أنخلع من ما لي : أي أخرج منه وأتصدق به . ( 6 ) أبلاه اللّه : أي أنعم عليه . والبلاء والإبلاء يكون في الخير والشر . لكن إذا أطلق ، كان للشر غالبا فإذا أريد الخير . قيد كما قيد هنا ، فقال أحسن مما أبلاني . ( 7 ) أن لا أكون كذبته : هكذا في جميع نسخ مسلم ، وكثير من روآيات البخاري . قال العلماء : لفظة ( لا ) في قوله : أن لا أكون ، زائدة . ومعناه : أن أكون كذبته . كقوله تعالى ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ( الأعراف / 12 ) .